عثمان بن عفان رضي الله عنه: ذو النورين، وجامع المصحف، ورمز الحياء والسخاء العظيم
عثمان بن عفان رضي الله عنه: ذو النورين، وجامع المصحف، ورمز الحياء والسخاء العظيم

يُعد الخليفة الراشد الثالث، عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي القرشي رضي الله عنه، واحداً من أعظم الشخصيات في صدر الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة. وُلِد بمكة المكرمة ونشأ تاجراً أميناً معروفاً بحسن الأخلاق والرفعة، فلما دُعي إلى الإسلام على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سارع بإعلان إسلامه ليكون من سبّاقي الأمة الأوائل. وقد حظي بمكانة رفيعة وعظيمة لدى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث زوجه ابنتيه رقية ثم أم كلثوم تباعاً، ولذلك لُقّب بـ "ذي النورين" لكونه لم يُعرف في التاريخ البشري أحد تزوّج ابنتي نبي غيره.
لقد عُرف عثمان رضي الله عنه بخصال حميدة فريدة، أبرزها "الحياء الشديد" الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عديدة، حيث قال فيه النبي يوماً: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". إلى جانب حياءه، كان عثمان رمزاً للبذل والسخاء المالي المنقطع النظير في خدمة الإسلام والمسلمين. ففي غزوة العسرة (تبوك)، جهّز جيش المسلمين بماله الخاص وقدم مئات الإبل والأموال الطائلة حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم معجباً بسخائه: "ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم"، كما اشترى بئر رومة وتصدق بها على المسلمين حين ضاق بهم الماء في المدينه المنورة.
وعندما بُويع بالخلافة بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، شهد عهدُه اتساعاً جغرافياً كبيراً للدولة الإسلامية وتطوراً ملحوظاً في الأسطول البحري الإسلامي لحماية سواحل المسلمين. ومن أعظم إنجازاته التاريخية الخالدة التي حفظت وحدة الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا، "جمع القرآن الكريم" في مصحف واحد موحد على قريش، وتوزيع النسخ على الأمصار والبلدان لقطع دابر أي اختلاف في القراءات وتوحيد كلمة المسلمين حول كتاب الله عز وجل، وهو الإنجاز العظيم الذي يذكره التاريخ له بتقدير وإجلال بالغين.
ولم تنعكس هذه القوة الهائلة في الفتوحات والدولة على مظاهر حياته الشخصية، بل ظل عثمان رضي الله عنه متواضعاً، زاهداً، ليناً، يحب الرعية ويرفق بها، حتى في أشد لحظات الفتنة التي تعرض لها في أواخر عهده. لقد التزم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بعدم خلع قميص الخلافة الذي ألبسه الله إياه، وفضل الصبر وتحمل الأذى حقناً لدماء المسلمين وحفاظاً على وحدة الصف الإسلامي من التمزيق، رافضاً أن يُقتل أحد بسببه أو تُسل سيوف البغي بين أبناء الأمة الواحدة.
وفي أواخر أيامه، ابتُليت الخلافة بفتنة كبرى قادها بعض الغوغاء والمحرضين، فحاصروه في داره مظلوماً وقطعوا عنه الماء. وفي تلك اللحظات العصيبة، كان صائماً يقرأ القرآن الكريم، ورفض أن يُقاتل عنه المسلمون دفاعاً عن نفسه منعاً لإراقة الدماء في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي يوم الجمعة، استُشهد عثمان رضي الله عنه مظلوماً وهو يتلو آيات كتاب الله، لتختلط دمائه الطاهرة بالصفحات التي جمعها بيده حرصاً على جمع الأمة.
في الختام، رحل عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى ربه تاركاً إرثاً خالداً من الحياء، والكرم، والإخلاص، والخدمة الجليلة لدين الله وكتابه الكريم. إن سيرة ذي النورين تظل منارة شامخة لكل مسلم يطمح في معاني البذل والعطاء والأخلاق العالية والتحمل في سبيل المبادئ السامية. هل تأملت يوماً عظم الأثر الذي خلده عثمان بن عفان ليبقى حياً في قلوب ملايين المسلمين عبر التاريخ؟
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق