جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.. الصحابي الذي أرسله النبي ﷺ لهدم معبد وثني
من هو جرير بن عبد الله البجلي؟

جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه من الصحابة الذين لم ينالوا في المحتوى المعاصر نصيبهم من الشهرة رغم مكانتهم في صدر الإسلام. كان من سادات قومه، وأسلم في حياة النبي ﷺ، وكان حسن الهيئة والخلق، حتى وصفه بعض أهل العلم بأنه كان من أجمل الناس. وبعد إسلامه بايع النبي ﷺ على الإسلام والطاعة والنصح للمسلمين، وهو معنى عظيم ظهر في حياته بعد ذلك. وقد ثبت في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن جريرًا قال: «بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم». وهذه البيعة تلخص جانبًا مهمًا من شخصيته؛ فلم يكن المطلوب منه مجرد الطاعة، وإنما أن يعيش الإسلام باعتباره مسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
دعاء النبي ﷺ الذي غيّر علاقة جرير بالفرس
كان جرير رضي الله عنه من أصحاب الخيل، لكنه أخبر النبي ﷺ أنه لا يثبت على الفرس، فدعا له النبي ﷺ وضرب على صدره، وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا». ويقول جرير في الرواية الصحيحة إنه لم يسقط بعد ذلك عن فرس. والموقف ليس مجرد قصة عن ركوب الخيل؛ بل يكشف ثقة النبي ﷺ بجرير، وكيف كان يدعو لأصحابه بما يعينهم على أداء مسؤولياتهم. وبعد إسلامه أصبح جرير واحدًا من الرجال الذين اعتمد عليهم المسلمون في مهمات مهمة، وكان من أبرز صفاته الاستجابة السريعة لما يكلفه به النبي ﷺ.
ذي الخلصة.. المهمة التي اختار النبي ﷺ لها جريرًا
من أشهر مواقف جرير المهمة التي أرسله فيها النبي ﷺ لهدم ذي الخلصة، وكان بيتًا يُعبد فيه من دون الله في بلاد اليمن، وكانت له مكانة عند بعض القبائل هناك. قال النبي ﷺ لجرير: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟»، فاستجاب جرير، وانطلق في مئة وخمسين فارسًا من قومه، وكانت المهمة تتطلب معرفة بالمنطقة وقدرة على قيادة الرجال. وفي الطريق كان جرير قد ذكر للنبي ﷺ مشكلة عدم ثباته على الخيل، فدعا له النبي ﷺ، ثم مضى جرير لتنفيذ المهمة. وتذكر الرواية الصحيحة أن جريرًا هدم ذا الخلصة، وأنه أخبر النبي ﷺ بما حدث، فدعا النبي ﷺ لأحمس ورجالها. وهذه الحادثة ثابتة في صحيح البخاري، ورواها مسلم أيضًا.
جرير الذي تعلم التواضع من الأنصار
لم يكن جرير معروفًا بالشجاعة فقط، بل كان يحمل معنى آخر مهمًا في التعامل مع المسلمين. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن جريرًا كان يخدمه في السفر رغم أن جريرًا كان أكبر منه سنًا، وعندما سأله عن ذلك قال إنه رأى الأنصار يصنعون مثل ذلك مع رسول الله ﷺ، وأقسم ألا يصحب أحدًا منهم إلا خدمه. والحديث صحيح في صحيح مسلم، وله أصل في صحيح البخاري. هذا الموقف الصغير في ظاهره يكشف شيئًا كبيرًا في شخصية جرير: فهو لم يرَ خدمته لمن هم أصغر منه انتقاصًا من مكانته، وإنما اعتبرها وفاءً لأهل الفضل الذين رأى منهم خدمة النبي ﷺ.
جرير والنصيحة.. الإسلام عنده مسؤولية
ومن أبرز ما بقي من سيرة جرير حديثه عن البيعة للنبي ﷺ على النصح لكل مسلم. والنصيحة هنا ليست مجرد تقديم رأي عابر، وإنما مبدأ شامل في علاقة المسلم بغيره؛ أن يريد له الخير، وأن يرشده إلى ما ينفعه، وألا يكون الدين عنده مجرد عبادات منفصلة عن أخلاق التعامل. ولذلك ارتبط اسم جرير في الروايات بالوفاء وحسن الصحبة والقيام بما يُكلَّف به. وإذا جمعنا بين بيعته، ودعاء النبي ﷺ له، ومهمته في ذي الخلصة، وموقفه مع أنس، نجد شخصية متكاملة: قائد عندما يحتاج الأمر إلى القيادة، وداعية عندما يحتاج الناس إلى الهداية، ومتواضع عندما يكون المقام مقام خدمة.
جرير بن عبد الله.. صحابي لم يكن كثير الظهور لكنه كان حاضرًا عند الحاجة
قد لا يكون جرير بن عبد الله من أكثر أسماء الصحابة تداولًا بين الناس، لكن قصته تثبت أن الشهرة ليست معيارًا لقيمة الإنسان. فقد أسلم وبايع النبي ﷺ، ونال منه دعاءً خاصًا، ثم كُلّف بمهمة مهمة في إزالة أحد مظاهر الشرك، وأظهر في حياته معنى النصيحة والتواضع. والأجمل أن هذه المواقف ليست مبنية على القصص الشعبية، بل إن أهمها ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم. ومن هنا تستحق سيرة جرير أن تُقرأ بعيدًا عن الأسماء الأكثر شهرة؛ لأنه يمثل نموذجًا للصحابي الذي لم يحتج إلى كثرة الظهور ليترك أثرًا، وإنما كان حاضرًا عندما احتاج الإسلام إلى رجل يثق به النبي ﷺ ويعتمد عليه.
المصادر والمراجع
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- الموسوعة الحديثية – الدرر السنية.
- كتب تراجم الصحابة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق